جورنال العرب

ويحنو الشوق – موعد مع الهاتف

ويحنو الشوق - موعد مع الهاتف

حينما واعدته بالحديث، كانت في منتهى السعادة، وحين اقترب موعد اللقاء طار قلبها من الفرح، كانت تشعر بنشوة جميلة ورعدة في جميع أجزاء جسدها، كانت السعادة تخيم على وجهها حتى أن معالم السعادة والبهجة انتقلت إلى من حولها.

كانت تتحدث إلى زميلاتها بانشراح وابتسام لا ينقطع، وحين تسائلن ما الذي حدث لها وغير من حالتها بهذا الشكل؟

أجابت في ثقة وابتسام: اليوم هو موعد اللقاء

وحين تسائلن: مع من؟

زاغت ببصرها، وراحت بفكرها، ربما كانت لا ترغب في إخبارهن بما تكتم من أسرار، لكنها أطلقت تنهيدة طويلة ثم أردفت قائلة: معه …هو!!

اليوم سوف يتصل بي، اليوم أنتظر منه مكالمة، أتحدث إليه، أستمع منه، كلماته لها رنين خاص في أذني.

أرتعش وأنا أمسك بالسماعة، وأرتجف وأنا استمع إليه!!

صاحت زميلاتها وهن ينظرن إليها بنظرات ذات مغزى: ” يبدو أنك قد وقعت في الفخ، فأنت هائمة به لحد الجنون”

زاغت ببصرها مرة أخرى، وأومأت بلا كلام وكأنها تهمهم إلى نفسها دون أن ينطق لسانها: ” نعم، فقد تحرك القلب حينما التقيت به، والآن أتعلم الحب على يديه، وقد ترعرعت عواطفي وشبت بعد أن ارتوت بحبه، وقد أينعت شجرة الحب بيننا حينما نثر بذورها في بستاني، فأصبح بيننا حب أصيل ليس له مثيل.

تركت زميلاتها وعادت من الجامعة إلى منزلها، وما زال الشوق يحنو بها، وما زالت مشاعر الحب والهيام تسيطر عليها، ومع اقتراب موعد الاتصال، ازداد شعورها بالتوتر، وتداخلت مشاعرها بين إحساس بالفرحة، وإحساس بالخوف، كانت لا تدري مما تخاف، ولكنها بالفعل تشعر بالخوف.

شيء ما يدفعها إلى هذا الشعور، ربما يكون خوفها من أن تفقد هذه اللحظات الرائعة، شيء ما بداخلها يدعوها لأن ترتعد وترتجف، ربما للسعادة المفرطة التي تبعث فيها هذه الأحاسيس والمظاهر التي لم تكن على دراية بها من قبل، ولم تتعرض لها في حياتها.

ربما دقات القلب المتسارعة هي التي تجعلها تشعر بهذا الشعور، وأصبحت نظراتها زائغة بين عقارب الساعة وسماعة الهاتف، بين انتظار دقات الساعة ورنين الهاتف، هذا الرنين الذي أصبح يحمل لها لحظات وأمنيات غالية.

ازداد تحديقها في سماعة التليفون، شعرت بفضل هذا الهاتف عليها، حقًا له فضل كبير عليها، هو الوحيد الذي يقربها من محبوبها، ويشعرها كأنه إلى جوارها، من خلال سماعته الصغيرة تستطيع أن تتهامس القلوب، وتتعانق الأرواح، وتتجاذب أطراف الحديث والسمر مع محبوبها، ربما من خلال هذه السماعة الصغيرة استطاعت أن تتحرر من كل القيود، وتخلع عباءة الخجل فتطلق للسانها العنان لتعبر عما يجيش بفؤادها، وربما تطرب أذنيها بما تسمعه من الطرف الآخر.

كم هي الآن تكن للهاتف كل الحب والإعجاب، وكم تشعر بالسعادة وهو بين يديها، كم تشعر بالفرحة كلما أتي إلى مسامعها صوت رنينه ليعلن عن اتصال حبيبها من الجانب الآخر، فقد خصصت له رنينًا خاصًا به يأخذها إلى الأحلام وإلى مشاعر من الهيام كلما استمتعت إلى دقاته.

وبينما تتأمل هذه الهاتف، خطر ببالها أن تحتفظ به إلى الأبد، حتى وإن تعطل الجهاز فلن تتركه، فقد حمل لها مشاعر فياضة، وعاش معها أجمل اللحظات، وسوف يكون ذكرى خالدة تحتفظ به في كل مكان تنتقل إليه.

فجأة نظرت إلى الهاتف مرة أخرى وتحدث إليه وهي تتأمله: متى أستمع إلى صوت رنينك؟ هيا أيها الجهاز الصغير أسمعني صوتك! لقد زاد انتظاري وقل صبري! لقد زادت لهفتي إلى لقاء محبوبي!!

وبينما هي تنظر إليه وتتأمله وتتحدث إليه التفت فجأة إلى عقارب الساعة فإذا بها تعلن أنه قد حان الوقت الذي يحادثها فيه.

أدركت أنه قد أوشك أن تستمع إلى صوته، هبت من مكانها واقفة، اختلت بنفسها في حجرتها، تأكدت من غلق الباب جيدًا حتى لا يسمح بدخول أحد عليها، فهي لا تريد أن تقطع خلوتها به، وضعت مفتاح الباب في جيبها، واطمأنت أنه لن يدخل عليها أحد ولن يقاطعها.

أخيرًا حين بدأ الهاتف يرسل رنينه، أسرعت إلى السماعة تضعها على أذنيها، جاء الصوت إليها من الطرف الآخر، أخيرًا استمتعت إلى أجمل نشيد وأجمل لحن، أغمضت عينيها، أطلقت زفرة وتنهيدة كبيرة، علت الابتسامة على شفتيها، كما علت حمرة الخجل على وجهها، واختلطت المشاعر من جديد، وانطلقت في مناجاة مع محبوبها، وراحت في سبات وكأنها تسبح في بحر من الأحلام.

ويحنو الشوق

انتظرونا في الأسبوع القادم مع “معمل تحاليل الحب”

محمد عبد العاطي

 

جورنال العرب

 

 

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.