الصفحة الرئيسية جورنال العرب زكاة عروض التجارة المتعلقة بالأراضي الأحكام والشروط

زكاة عروض التجارة المتعلقة بالأراضي الأحكام والشروط

تعريف الأرض وحكم زكاتها


أحكام زكاة عروض التجارة المتعلقة بالأراضي المملوكة الخالية باختلاف أنواعها واختلاف مقاصد الناس فيها هنا وفي هذا المقال ستجد تعريف الأرض وحكم زكاتها

 

 

تعريف الأرض:

الأرض: اسم جنس مؤنث اسم للكوكب الذي نسكنه وللجزء منه في التنزيل (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ) (يوسف: من الآية55).
والأرض كل شيء يسفل ويقابل السماء.

وجمعها: أَرْضات، وأُرُوض، وآرَاض، وأَرَضُون والأراضي غير قياسي.

ولم تجيء الأرض في كتاب الله مجموعة.

والتَّأرُض: التثاقل إلى الأرض .

 

المبحث الأول: حكم زكاة الأرض:

تمهيد:

اتفق الفقهاء على وجوب الزكاة في ثلاثة أصناف من المال وهي:

1- النقدان: الذهب والفضة.
2- بهيمة الأنعام.
3- الحبوب والثمار.

 

واختلفوا فيما سوى ذلك -ومن ذلك الأرض التي هي موضوع حديثنا, فالأرض التي يملكها الإنسان بشراء أو هبة أو إرث تختلف مقاصده فيها -إلا أن الفقهاء اتفقوا على أنه لا زكاة فيها بحال من الأحوال إلا إذا قصد مالكها التجارة بها.

 

زكاة عروض التجارة المتعلقة بالأراضي

 

ولهذا يتكلم الفقهاء على زكاة الأرض في باب عروض التجارة باعتبارها واحدة منها وينصون على ذلك:

قال الكاساني: “وسواء كان مال التجارة عروضاً، أو عقاراً أو شيئاً مما يكال أو يوزن, لأن الوجوب في ذلك كله تعلق بالمعنى وهو المالية والقيمة وهذه الأموال كلها في هذا المعنى جنس واحد”.

وقال ابن رشد: “وقسم ثان: العروض كلها: الدور والأرضون والثياب والطعام والحيوان الذي لا تجب في رقابه الزكاة..”(7).
وقال ابن قدامة: “العروض: جمع عرْض وهو غير ا لأثمان من المال على اختلاف أنواعه من الحيوان والعقار والثياب وسائر المال تجب فيها الزكاة إذا بلغت قيمتها نصاباً”.

 

حكم زكاة الأرض:

ذهب عامة أهل العلم إلى وجوب الزكاة في جميع عروض التجارة ومنها الأرض وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.

 

واستدلوا على ذلك بما يأتي:

1- قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) (البقرة: من الآية267)(13).

 

وجه الاستدلال:

أن عروض التجارة من الكسب الذي يحصل عليه الإنسان فوجبت فيه الزكاة بنص الآية.

قال مجاهد في معنى “ما كسبتم”: أي من التجارة الحلال.

وقال الطبري: “يعني بذلك جل ثناؤه زكوا من طيبات ما كسبتم بتصرفكم إما بتجارة وإما بصناعة…”.

وقال القرطبي: “الكسب يكون بتعب بدن وهي الاجارة أو مقاولة في تجارة وهو البيع”.

 

2- قول الله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة: من الآية103)(17).

 

ووجه الاستدلال:

أن عروض التجارة من جملة الأموال التي يملكها الإنسان بل هو أعمها فتجب فيها الزكاة بنص الآية(18).

قال القرطبي: “والمعروف في كلام العرب أن ما تمول وتملك فهو مال، والعلم محيط واللسان شاهد فإن ما تملك يسمى مالاً”.

وقال ابن العربي: “وهذا عام في كل مال على اختلاف أصنافه وتباين أسمائه واختلاف أغراضه فمن أراد أن يخصه في شيء فعليه الدليل”.

 

3- حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع”.

 

وجه الاستدلال:

أن عروض التجارة مما يعد للبيع فوجبت فيها الزكاة بنص الحديث . ومعنى قوله: نعده للبيع، أي نهيئه للتجارة، وإنما خص البيع لأنه الأغلب.

 

4- وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته).

 

وجه الاستدلال:

أن البز ليس من الأصناف التي تجب فيها زكاة العين فثبت أن الواجب فيه زكاة التجارة.

والبز: بالباء والزاي الثياب التي هي أمتعة البزاز(26). قال الرافعي: “ومعلوم أنه ليس في البز زكاة العين فيكون الواجب زكاة التجارة”.

 

5- حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة فقيل منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس بن عبد المطلب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله…) الحديث.

 

 

وجه الاستدلال:

قال الخطابي: “وتأويل الكلام أنه إنما طولب بالزكاة عن أثمان الأدراع والعتاد على أنها للتجارة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا زكاة عليه فيها إذ قد جعلها حبساً في سبيل الله، وفيه دليل على وجوب الزكاة في الأموال التي ترصد للتجارة”.

وقال الماوردي: “ومعلوم أن الأعتد لا تجب فيها زكاة العين فثبت أن الذي وجب فيهما زكاة التجارة”.

وقال ابن حجر: “ظنوا أنها للتجارة فطالبوه بزكاة قيمتها فأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا زكاة عليه… وفيه حجة لمن أوجبها في عروض التجارة”.

 

6- وعن أبي عمرو حماس  عن أبيه حماس قال: “مر بي عمر بن الخطاب فقال: يا حماس أد زكاة مالك. فقال: ما لي مال إلا جعاب وأدم فقال: قومها ثم أد زكاتها”.

 

وجه الاستدلال:

أنه من المعلوم أن الجعاب والجلود لا زكاة فيها بوجه إلا إذا استعملت على وجه التجارة .

قال ابن قدامة وشيخ الإسلام: “وهذه قصـة اشتهـرت ولم تنكـر فيكون إجماعاً”.

 

7- ما أثر عن ابن عمر أنه قال “ليس في العرض زكاة إلا أن يراد للتجارة”.

 

وجه الاستدلال:

أن مفهوم الأثر أن العرض إذا كان للتجارة ففيه الزكاة.

 

8- الإجماع:

نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على وجوب الزكاة في عروض التجارة:

قال ابن المنذر رحمه الله تعالى “وأجمعوا على أن في العروض التي تدار للتجارة: الزكاة إذا حال عليها الحول”(40).
وقال البغوي رحمه الله: “ذهب عامة أهل العلم إلى أن التجارة تجب الزكاة في قيمتها إذا كانت نصاباً، وقال داود لا تجب وهو مسبوق بالإجماع”.

وقال أبو عبيد رحمه الله: “أجمع المسلمون على أن الزكاة فرض واجب فيها – يعني عروض التجارة- أما القول الآخر فليس من مذاهب أهل العلم عندنا”.

وقال شيخ الإسلام: “الأئمة الأربعة وسائر الأمة -إلا من شذ- متفقون على وجوبها”.

 

9- القياس على الأجناس الأخرى بجامع النماء في كل.

قال الماوردي: “ولأن الذهب والفضة إنما خصا من بين سائر الجواهر بإيجاب الزكاة فيهما لارصادهما للنماء وطريق النماء بالتقليب والتجارة، فلم يجز أن يكون الموضوع لإيجاب الزكاة سبباً لإسقاطها”.

وقال النووي: “ولأن التجارة يطلب بها نماء المال فتعلقت بها الزكاة كالسوم في الماشية”.

وقال ابن رشد: “العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به التنمي فأشبه الأجناس الثلاثة التي تجب فيها الزكاة باتفاق أعني الحرث والماشية والذهب والفضة”.

 

10- والمصلحة تقتضي وجوبها، وذلك أنه لو لم تجب الزكاة في عروض التجارة لكان جزءٌ من الأغنياء يخرجون من هذه العبادة0 وتذهب حقوق الفقراء في تلك الجملة،

وربما اتخذ ذريعة إلى إسقاط الزكاة في باقي الأموال إذ لا يعجز أصحابها عن استبدالها بالعروض هرباً من الزكاة، فاقتضت المصلحة العامة القول بوجوبها”.

لكن خالف في وجوب زكاة العروض جماعة منهم داود وابن حزم الظاهريين، ووافقهما الشوكاني، وصديق حسن، والألباني رحمهم الله.

 

وحكي ذلك عن عطاء

 

واستدلوا على ذلك بالآتي:

 

1- قول الله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (البقرة: من الآية188).

 

وجه الاستدلال:

قالوا دلت الآية على أنه لا يجوز إيجاب فرض زكاة في مال لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء في إيجابها(53).
وقال الألباني: “الحق أن القول بوجوب الزكاة على عروض التجارة مما لا دليل عليه في الكتاب والسنة الصحيحة مع منافاته لقاعدة البراءة الأصلية”.

 

زكاة عروض التجارة

 

 

وأجيب/ بأن زكاة العروض قد ثبتت بأدلة عامة وخاصة في الكتاب والسنة قد سبق ذكرها.

 

2- حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة).

ومثله حديث علي رضي الله عنه: (قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق).

 

وجه الاستدلال:

أن الحديثين نفيا وجوب الزكاة في الخيل والرقيق – ولو كانت زكاة التجارة واجبة فيهما أو في غيرهما من العروض لبينه النبي صلى الله عليه وسلم.

وأجيبوا بأن المراد بالحديثين ما ليس للتجارة من الأرقاء والخيول ونحوها وهذا التأويل متعين للجمع بين الأحاديث.

ويؤيده أن اللفظ جاء بصيغة المفرد (عبده وفرسه) الدال على القلة التي هي غالب ما يكون للقنية والاستعمال.
أو يقال: هذان حديثان عامان وحديث سمرة خاص والخاص مقدم على العام.

قال ابن العربي: “ويقال للمخالف: هذا فرسه وعبده لا زكاة فيه بهذا الحديث!! فغيره من أمواله بم تنفي عنه الزكاة؟ وبم تخرجه من عموم القرآن؟؟

وكذا لو كان عنده أفراس وعبيد ففيها الزكاة لأن الحديث إنما نفى الزكاة عن فرس واحد وعبد واحد، على أصله لا ينفي إلا ما نفى، فيبقى الباقي تحت العموم المذكور”.

 

4- عن قيس بن أبي غرزة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نبيع الرقيق فقال: (يا معشر التجار إن بيعكم هذا يخالطه لغو وحلف فشوبوه بالصدقة أو بشيء من الصدقة).

 

وجه الاستدلال:

أن الزكاة في العروض لو كانت واجبة على التجار لما أرشدوا إلى صدقة تكون كفارة لما يشوب البيع من لغو وحلف ولكفتهم الزكاة.

ويجاب/ بأنه لا مانع من مشروعية الصدقة في حق التجار زيادة على الزكاة المفروضة، لأنهم زادوا على الناس بكثرة اللغط والغش والحلف.

 

5- قالوا ولأن ما تجب فيه الزكاة من الأموال لا تأثير للنية في سقوطها بحال كالمواشي والثمار – فلما سقطت زكاة التجارة إذا نوى بها القنية، علم أن زكاتها غير واجبة.

 

ونوقش هذا:

 

بأن النية ليست مسقطة ولا موجبة، وإنما إرصاده للنماء بالتجارة موجب لزكاته،كما أن إرصاد الذهب للتحلي مسقط لزكاته على قول ومع ذلك لم يقل إن النية في الحلي مسقطة لزكاته.

 

كذلك لا يقال إن النية في التجارة موجبة لزكاته.

 

وبهذا يظهر بجلاء رجحان قول عامة أهل العلم في وجوب زكاة الأرض وسائر العروض لقوة ما استدلوا به مقابل ضعف أدلة المخالفين، (ولأن عروض التجارة ليست مقصودة لذاتها وإنما المقصود منها النقود ذهباً كانت أو فضة والأمور بمقاصدها، والأعمال بالنيات).

 

 

شروط زكاة الأرض

يشترط الفقهاء لزكاة الأرض – إضافة إلى الشروط العامة للزكاة- شرطان هما:

 

1- أن يملكها بفعله.

2- نية التجارة.

 

هذين الشرطين في مطلبين:

 

المطلب الأول: في الشرط الأول: أن يملكها بفعله:

يشترط أكثر الفقهاء لوجوب الزكاة في الأرض أن تكون الأرض قد دخلت في ملكه بفعل منه كالشراء، أو الصلح الذي بمعنى البيع، أو الإجارة بأن يأخذ الأرض عوضاً عن شيء يؤجره, ونحو ذلك من المعاوضات المالية….

 

ويخرج من ذلك ما دخل ملكه بغير فعله كالميراث أو دخل ملكه بمجرد قبوله كالهبة والوصية أو دخل ملكه بمعاوضة ليس المقصود منها المال كالنكاح والخلع والصلح عن الدم… فلم يتفق الفقهاء على إيجاب الزكاة فيها على هذه المسائل الثلاث:

 

المسألة الأولى: حكم ما ملك بالميراث:

من ورث أرضاً أو غيرها من العروض،ونوى بها التجارة فهل تجب فيها الزكاة إذا مضى عليها حول أو أكثر.

 

اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين:

القول الأول: ذهب عامة الفقهاء من الحنفية(68)، والمالكية(69)، والشافعية(70)، والمذهب عند الحنابلة، إلى أنها لا تصير للتجارة فلا زكاة فيها عندهم.

ونقل بعضهم الاتفاق على هذا القول.

 

واستدلوا على ذلك بالآتي:

1- أن التجارة فعل وتصرف وبيع وشراء… والميراث يدخل ملكه بغير اختياره ولا فعل له فيه، وليس معدوداً من أسباب التجارة – فلا يكون متجراً فلا تجب فيه الزكاة.

 

بمعنى أن سبب وجوب الزكاة في العرض هو التجارة, والإرث ليس من أسباب التجارة لأنه يدخل في ملك الوارث قهراً بدون اختياره ولا عمل فيه ولا صنعة وليس بعقد/ فانتفت فيه الزكاة لانتفاء سببها.

 

قال ابن قدامة: “ولأنه ملك الإرث بغير فعله فجرى مجرى الاستدامة فلم يبق إلا مجرد النية ومجرد النية لا يصير العرض بها للتجارة”.

 

ويناقش هذا:

 

بأن مجرد النية كاف لوجوب التجارة لقول سمرة رضي الله عنه: “من الذي نعده للبيع”، والمعد للبيع هو المنوي بيعه.

 

2- أن ما لا تتعلق الزكاة به من أصله لا يصير محلاً لها بمجرد النية, كالمعلوفة إذا نوى بها السوم فإنها لا تصير سائمة وتبقى على عدم وجوب الزكاة.

 

وكالحاضر ينوي السفر لا يصير مسافراً ويبقى على حكم الإقامة.

 

كذلك العروض المورثة تبقى على عدم وجوب الزكاة ولا يؤثر فيها مجرد نية التجارة.

 

 

ونوقش: قياس نية التجارة على نية السوم بالفارق: وذلك لأن نية التجارة شرط لوجوب الزكاة في العروض, وليست نية السوم شرطاً لزكاة البهائم بل الشرط وجود حقيقة السوم.

 

وكذلك نية السفر ليست شرطاً للترخص بل الشرط وجود حقيقة السفر والتلبس به.

فلا يصح قياس ما هو شرط على ما ليس شرطاً.

 

 

القول الثاني: أن من ورث أرضاً ونحوها ثم نواها للتجارة فإنها تصير للتجارة وتجب فيها الزكاة.

وهذه رواية عند الحنابلة نقلها ابن منصور وصالح وابن إبراهيم، واختاره أبو بكر وابن عقيل.

وقال في الإنصاف: “أطلقهما في المذهب، والمحرر، والرعايتين، والحاويين والفائق”.
واحتجوا بالآتي:
1- حديث سمرة رضي الله عنه قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع”.

 

وجه الاستدلال:

أن الأرض الموروثة التي قصد بها التجارة تدخل في عموم هذا الحديث، لأنها معدة للتجارة، فتجب فيها الزكاة.

ونوقش من وجهين:

الوجه الأول: أن هذا الحديث ضعيف(83) فلا يحتج به.

وأجيب: بأن جمعاً من أهل العلم حسنوه واحتجوا به.

 

الوجه الثاني: أن المراد بقوله “مما نعده للبيع” أي نهيئه للتجارة، والتجارة: فعل وتصرف وبيع وشراء – وليس في الموروث شيء من ذلك.. ما عدا النية الطارئة المجردة التي لم تقترن بعمل التجارة والنية المجردة لا تعمل.

 

ويجاب: بأن صاحب الأرض الموروثة إذا نوى به التجارة أعدها لذلك فدخل في عموم الحديث فلزمته الزكاة.

2- ولأن التربص بالسلع لحين ارتفاع الأسواق من صور التجارة، ولا فعل فيه، فكذا الميراث.

3- ولأن العروض تصير للقنية بمجرد النية، فكذا تكون العروض للتجارة بمجرد النية بل أولى تغليباً للإيجاب.

 

ونوقش هذا:

بأن قياس نية التجارة على نية القنية في العروض مع الفارق من وجهين:

أ- الوجه الأول: أنه ليس للقنية معنى إلا الحبس والإمساك للانتفاع، فإذا نواها – فقد وجدت النية مقرونة بالكف والإمساك، فلم يبق بعد ذلك فعل يحتاج إلى إحداثه.

بخلاف التجارة فإنها فعل وتصرف، وبيع وشراء، فإذا نواها وتجردت عن فعل يقارنها لم تصر مؤثرة لأن الفعل لم يوجد.

 

ونظير هذا السفر والإقامة، فلو نوى المقيم السفر، لم يصر مسافراً؛ لأن السفر إحداث فعل، ولم يوجد منه الفعل، بخلاف ما لو نوى المسافر الإقامة، فإنه يصير مقيماً لأن الإقامة لبث وكف عن فعل وقد وجد ذلك منه.

 

ب- الوجه الثاني: أن الأصل في العروض القنية، والتجارة عارضة، فبمجرد النية يعود حكم الأصل وإذا ثبت حكم الأصل لم يرتفع بمجرد النية وهذا كما أن المسافر يصير مقيماً بمجرد النية، لأن الإقامة هي الأصل – وإذا كان مقيماً لم يرتفع عنه حكم الإقامة بمجرد النية.

 

الترجيح:

لعل الراجح والله أعلم في هذه المسألة هو أن من نوى التجارة بأرضه الموروثة وجبت عليه زكاتها لاسيما إن عمل شيئاً مع هذه التية

كأن يعرضها للبيع لدى الوسطاء أو يحسنها في نظر الراغبين أو يضع عليها لافتات أو يعلن عنها و نحو ذلك..

وذلك لظاهر حديث سمرة السابق. فانه عام في كل ما قصد به البيع.

وهذا ما اختاره الشيخ بكر أبو زيد وفقه الله.

 

المسألة الثانية: حكم ما ملك بغير عوض مالي:

من ملك أرضاً بغير عوض مالي كأن ملكها بهبة، أو عطية أو وصية، أو غنيمة، ونحوها… ونوى بها التجارة فهل تكون للتجارة وتجب فيها الزكاة أو لا تكون؟

 

اختلف العلماء في هذه المسألة إلى قولين:

القول الأول: أنها لا تكون للتجارة، فلا زكاة فيها.

وهذا هو الأصح عند الحنفية(93). ومذهب المالكية، والشافعية، وهو قول عند الحنابلة.

 

واستدلوا بالآتي:

1- أن العَرْض إنما يصير للتجارة بفعل التجارة مع النية وهذه التمليكات ليست من أسباب التجارة ولا من جهاتها؛ لأن التجارة هي التقليب بقصد الربح وكسب المال، ولم يوجد هنا شيء من ذلك.

 

ويمكن أن يناقش هذا بأمرين:

أولهما: عدم التسليم بأن من شروط التجارة فعل التجارة فقد تكون التجارة بمجرد النية كما يفيده قول سمرة السابق “مما نعده للبيع” أي ننوي بيعه والاتجار به.

 

ثانيهما: عدم التسليم بأن هذه التمليكات ليست من أسباب التجارة لأن التجارة عقد اكتساب المال، وما لا يدخل ملكه إلا بقبوله حاصل بكسبه فيكون تجارة.

2- أن الهبة والوصية ونحوهما تمليكات بدون عوض فلم تصر للتجارة أشبه الموروث.

 

ونوقش هذا القياس بالفارق:

وذلك لأن الملك في الهبة والوصية ونحوها ملك اختياري يفتقر إلى قبول، أما الملك بالميراث فهو قهري لا يفتقر إلى قبول.

قال السامري في الفروق: “الفرق بينهما أن الوصية (ونحوها) سبب يحصل به الملك من جهته بدليل أنه لو لم يقبل الوصية لم يملك المال الموصى به.. فإذا نوى به التجارة كان للتجارة كما لو ملكه بالشراء.. وليس كذلك الإرث لأن الملك لا يحصل به من جهته لأنه يدخل ملكه بغير اختياره فصار كما لو كان في ملكه عروض للقنية فنواها للتجارة فإنها لا تصير للتجارة”.

 

القول الثاني: أن ما ملك بالهبة ونحوها يكون للتجارة فتجب فيه الزكاة.

وهذا قول عند الحنفية قال به أبو يوسف.
وهو الصحيح والمشهور عند الحنابلة.

واستدلوا على ذلك بدليلين:
1- حديث سمرة السابق “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع”.

 

وجه الاستدلال:

أفاد الحديث بعمومه وجوب الزكاة في الموهوب ونحوه إذا نوي به التجارة لأنه في هذه الحالة معد للبيع فيدخل في عموم الحديث .

ونوقش بأمرين:
الأمر الأول: أنه حديث ضعيف كما تقدم.
الأمر الثاني: المراد بقوله “مما نعده للبيع” أي ما نهيئه للتجارة ، والتجارة تصرف وعمل وبيع وشراء.. وليس في الموهوب والمتصدق به ونحوهما شيء من ذلك.
والحكم إذا علق بفعل لم يثبت بمجرد النية حتى يقترن به الفعل .
ونقدم الجواب عن هذين الأمرين .

2- أن التجارة عقد اكتساب المال، وما لا يدخل في ملكه إلا بقبوله حاصل بكسبه فكانت نيته مقارنة لفعله فأشبه اقترانها بالشراء والإجارة ، فوجبت فيها الزكاة لأنه ملكها بفعله .

 

ونوقش هذا:

بأن التجارة كسب المال ببدل ما هو مال, والقبول هنا اكتساب للمال بغير بدل أصلاً فلم يكن من باب التجارة .

 

3- أن إيجاب الزكاة فيما ملك بهبة ونحوها وقصد به التجارة فيه احتياط لأمر العبادة التي هي ركن الدين .

ويناقش/ بأن باب الاحتياط غير باب الوجوب وإنما يحتاط المتورع دون بقية الناس.

 

الترجيح:

لعل الراجح في هذه المسألة هو القول الثاني وهو وجوب الزكاة في ما ملك بهبة أو وصية ونحوهما إذا قصد به التجارة وذلك لظاهر خبر سمرة المتقدم

وحديث عمر رضي الله عنه المشهور (إنما الأعمال بالنيات). فكل مال قصد به التجارة كان للتجارة ووجبت فيه الزكاة والله اعلم

 

المسألة الثالثة: حكم ما ملك بنكاح أو خلع ونحوهما:

 

إذا أصدق الرجل المرأة أرضاً، أو خالعت المرأة زوجها على أرض، أو صولح ولي المقتول على أرض فهل تجب الزكاة في هذه الأرضين إذا قصد بها التجارة عند تملكها؟

 

اختلف العلماء في المسألة إلى قولين:

القول الأول: أنه لا تجب فيها الزكاة.

وهذا هو الأصح عند الحنفية، ومذهب المالكية ، وأحد الوجهين عند الشافعية .

واحتجوا على ذلك بالآتي:

قالوا: إن النكاح والخلع ليست من أسباب التجارة، لأن التجارة كسب المال ببدل ما هو مال. والنكاح والخلع والصلح عن الدم ليس المقصود منها المال بدليل صحتها بدون عوض. فلم تجب فيها الزكاة كالسلعة الموروثة.

 

ونوقش هذا:

بأن الصداق وبدل الخلع وبدل الصلح عن الدم تمليكات اختيارية تفتقر إلى قبول من الطرف الآخر، بدليل أنه لو لم يقبل لم يملك المال المتفق عليه.. وبهذا فارقت السلعة الموروثة فإنها تدخل في ملك الوارث بدون اختياره.

القول الثاني: أن المملوك بنكاح أو خلع تجب فيه الزكاة مع النية حين التملك.

وهذا قول عند الحنفية، أخذ به أبو يوسف.

وهو الأظهر والأصح عند الشافعية، وهو مذهب الحنابلة.

 

واحتجوا على ذلك بالآتي:

1- ظاهر حديث سمرة “كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع” يفيد وجوب الزكاة في كل ما أعد للبيع وقصدت به التجارة، ومن ذلك الصداق وبدل الخلع والصلح .

ونوقش بالضعف كما تقدم.

وبأن المراد بالحديث كل ما أعد للتجارة وإنما خص البيع لأنه الأغلب، والتجارة تصرف وعمل ومبادلات مالية.. وليس في النكاح والخلع والصلح عن الدم ونحوهما شيء من ذلك .

 

2-التجارة: عقد اكتساب المال، والمهر وبدل الخلع والصلح لا تدخل في الملك إلا بالقبول فهي من أنواع اكتساب المال – فتجب فيها الزكاة مع نية التجارة كالشراء والإجارة .

وتقدمت مناقشة هذا الاستدلال بما يغني عن إعادته.

 

3- أن الصداق وبدل الخلع مملوكان بعوض وتثبت الشفعة فيهما – فتجب فيهما الزكاة مع النية كالمملوك بالبيع .

 

ويمكن أن يناقش هذا بأن ثبوت الشفعة فيما ملك بنكاح أو خلع محل خلاف بين الفقهاء، وكونهما مملوكين بعوض لا يوجب الزكاة فيهما لعدم تحقق الشرط الشرعي – وهو التجارة – فيهما فليسا من أسباب التجارة ولا أعمالها.

 

الترجيح:

الراجح هنا هو الراجح في المسألة السابقة وهو القول الثاني لما تقدم.

 

المطلب الثاني: اشتراط نية التجارة:

المسألة الأولى: معنى نية التجارة وحكمه:

معنى نية التجارة: أن ينوي عند تملك الأرض أنها للتجارة والتجارة: هي قصد التكسب والربح
قال المرداوي: معنى نية التجارة أن يقصد التكسب بالمال بالاعتياض عنه.
وقال الشربيني: التجارة هي تقليب المال بالمعاوضة لغرض الربح.
وهذا الشرط محل اتفاق عند الفقهاء.

 

واستدلوا عليه بالآتي:

1- خبر سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع”.

 

وجه الاستدلال:

أن الإعداد للبيع يتضمن نية التجارة – فدل على اعتبارها .
2- أن العروض مخلوقة في الأصل للاستعمال فلا تصير للتجارة إلا بنيتها – كما أن ما خلق للتجارة وهو الأثمان لا يصير للقنية إلا بنيتها.

 

3- ولأن الأعمال بالنيات، والتجارة عمل، فوجب اقتران النية به، كسائر الأعمال .

وعلى هذا فلا زكاة في الأرض التي تراد لغير التجارة وهي ما يسمى بالقنية (وهي الامساك للانتفاع دون التجارة) .

 

وذلك كالأرض التي تراد للسكنى أو البناء عليها أو الاستطراق أو الغرس أو الزرع، أو يراد جعلها حظيرة للمواشي، أو مستودعاً للاغراض، أو مواقف للسيارات.. ونحو ذلك .

ومثل ذلك لو تردد في نية التجارة فلا زكاة لعدم الجزم

يقول الشيخ محمد بن عثيمين: “ليس عليه زكاة مادام ليس عنده عزم أكيد على أنها تجارة ومع التردد ولو واحدا بالمائة- فلا زكاة” .

 

المسألة الثانية: تحويل نية التجارة إلى القنية والعكس:

يشترط لوجوب الزكاة في الأرض المرادة للتجارة استصحاب نية التجارة إلى نهاية الحول، أما لو نوى التجارة في أول الحول ثم نوى القنية، أو العكس فهذا ما سأبينه في فرعين:

 

الفرع الأول: تحويل نية التجارة إلى القنية:

إذا نوى بالأرض التجارة عند تملكها، ثم بدا له أن ينتفع بها فنوى القنية، فهل تجب فيها الزكاة حينئذ أو ينقطع حكم التجارة فلا تجب فيها الزكاة؟
ذهب عامة الفقهاء إلى أن حكم التجارة ينقطع بنية القنية، وإن لم يستعملها.

قال النووي: “لو قصد القنية بمال التجارة الذي عنده فإنه يصير قنية بالاتفاق”.

وقال ابن قدامة: “لا يختلف المذهب في أنه إذا نوى بعرض التجارة القنية أنه يصير للقنية وتسقط الزكاة منه، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي”.

 

واستدلوا لذلك بالآتي:

أ- أن نية التجارة شرط لوجوب الزكاة في العروض فإذا نوى القنية زالت نية التجارة، لأنه نوى تركها، ففات شرط الوجوب(139).

ب- أن القنية هي الأصل – فيكفي في الرد إليها مجرد النية، كما لو نوى المسافر الإقامة فإنه يصير مقيماً بالنية لأن الأصل في الإنسان الإقامة .

 

وذهب أشهب من المالكية إلى أن حول التجارة لا ينقطع بمجرد نية القنية، فإن باعه زكاه ساعة بيعه إن دار عليه حول. ورواه عن مالك .

واحتج: بأن التجارة أصل في العروض فلا ينتقل عنها إلى القنية بمجرد النية، كما لا ينتقل من القنية إلى التجارة بمجرد النية .
وكما لو نوى بالسائمة العلف، فإن نية العلف لا تقطع الحول ما لم تقترن بها حقيقة العلف .

فالقنية والتجارة عند أشهب أصلان فلا ينتقل عن أحدهما إلى الآخر بالنية .

 

ونوقش قياسه نية لقنية على نية التجارة بأمرين:

أحدهما: أن القنية هي الأصل في العروض، والتجارة فرع عليها فلا ينصرف إلى الفرع بمجرد النية ، فإذا نوى القنية كفاه ذلك لأنها الأصل بخلاف التجارة فلا يكفي في الانتقال إليها مجرد النية.

شاهد ذلك الإقامة فإنها أصل فإذا نواها المسافر صار مقيماً وانقطع عنه حكم السفر، أما السفر فإنه فرع طارئ فإذا نواه المسافر لم يصير مسافراً حتى يشرع فيه حقيقة .

الثاني: أن حقيقة القنية: الكف والامساك، فإذا نواها فقد حصل منه أمران: النية والفعل الذي هو الإمساك ولم يحتج إلى غير ذلك بخلاف التجارة فهي فعل وتصرف وبيع وشراء.. فإذا نواها وتجردت عن الفعل لم يحصل منه إلا مجرد النية ومجرد النية غير كاف للحكم الشرعي المعلق على التجارة( .

 

كما نوقش قياسه نية القنية في التجارة على نية العلف في الإسامة بالفارق:

وذلك لأن الشرط في زكاة البهائم وجود الاسامة لا نيتها – وقد وجدت – فلا ينتفي الوجوب إلا بانتفائها .

بمعنى أن شرط وجوب الزكاة في المسألة الأولى (وهو نية التجارة) قد انتفى بنية القنية فانتفى معه الوجوب.

وشرط وجوب الزكاة في المسألة الثانية (وهو السوم) باق بحاله لم تؤثر عليه نية العلف ، فبقي معه الوجوب والله أعلم.
وبهذا يظهر بجلاء رجحان قول عامة أهل العلم في هذه المسألة.

 

الفرع الثاني: تحويل نية القنية إلى التجارة:

إذا ملك الأرض بنية القنية (وهي الانتفاع بغير التجارة) ثم نواها بعد ذلك للتجارة، فهل تكون للتجارة وتجب فيها الزكاة أو لا؟

اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى قولين:

القول الأول: أنها لا تكون للتجارة فلا تجب فيها الزكاة وهو مذهب الجمهور من الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة .

 

واستدلوا على ذلك بالآتي:

1- أن كل ما لا يثبت له حكم الزكاة بدخوله في ملكه لا يثبت بمجرد النية، كما لو نوى بالمعلوفة السوم .

أي “أن الزكاة إنما وجبت لأجل التجارة، والتجارة تصرف وفعل والحكم إذا علق بفعل لم يثبت بمجرد النية حتى يقترن به الفعل

وشاهد ذلك: أن زكاة المواشي إنما تجب بالسوم، ولو نوى سومها وهي معلوفة لم تجب الزكاة بمجرد النية حتى يقترن بها حقيقة السوم” .

ويمكن الجواب بأن نية التجارة تجارة لحديث “نعده للبيع” أي ننوي بيعه وليست نية السوم سوماً.
2- ولأن القنية هي الأصل، والتجارة فرع عنها فلا ينصرف إلى الفرع بمجرد النية كالمقيم ينوي السفر فإنه لا يصير مسافراً حتى يتلبس بالسفر.

ويمكن الجواب بعدم التسليم بأن القنية هي الأصل فقط بل التجارة أصل عند بعض أهل العلم .

 

القول الثاني: أنها تصير للتجارة بمجرد النية

وبه قال الكرابيسي من الشافعية ، وابن عقيل وأبو بكر وابن أبي موسي من الحنابلة ، وحكوه رواية عن أحمد  وإسحاق .

 

واستدلوا على ذلك بالآتي:

1- خبر سمرة رضي الله عنه قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع” .

وجه الاستدلال:
أن من كان عنده مال للقنية ثم نوي به التجارة فقد أعده للبيع فوجبت فيه الزكاة بنص الحديث السابق .

ونوقش من وجهين تقدما:

أحدهما: أنه حديث ضعيف.

الثاني: أن معناه الإعداد للتجارة، والتجارة فعل وتصرف وبيع وشراء لا مجرد نية فمجرد النية لا يوجب الحكم الشرعي كنية إسامة المعلوفة.

وتقدم الجواب عن هذين الوجهين .

 

2- أن عرض التجارة لو نوى به القنية سقطت عنه الزكاة بمجرد النية، فكذلك عرض القنية إذا نوى به التجارة جرت فيه الزكاة – بل هذا أولى لأن الإيجاب يغلب على الإسقاط احتياطاً .

 

ونوقش هذا القياس بالفارق من وجهين كما تقدم:

 

أحدهما: أن القنية مجرد إمساك وكف فكفى فيها مجرد النية بخلاف التجارة فإنها فعل وتصرف فلم يكف فيها مجرد النية.

الثاني: أن القنية هي الأصل والتجارة فرع، فبمجرد النية يعود حكم الأصل – ولا ينتقل إلى الفرع بمجردها. كالإقامة والسفر .
3- ولأنه نوى به التجارة فوجبت فيه الزكاة، كما لو نوى حال الشراء .

 

الترجيح:

لعل الراجح في هذه المسألة هو الراجح في مسألة الأرض الموروثة إذا نوى بها التجارة – فإنها تجب بالنية لظاهر خبر سمرة، ولأنه أحظ للمساكين(168) وهذا ما رجحه الشيخ محمد بن عثيمين .

 

كيفية زكاة الأرض:

تجارة الأرض نوع من عروض التجارة – وقد اتفق الفقهاء القائلون بوجوب الزكاة فيها على أن القدر الواجب إخراجه هو ربع العشر(170). وذلك، لأنها زكاة تتعلق بالقيمة فأشبهت زكاة الأثمان فوجب فيها ربع العشر.

فعلى التاجر أن يقومها في نهاية الحول ويضم إليها الأرباح وما تحت يده من النقود الحولية ويخرج زكاة الجميع.

 

لكنهم اختلفوا في تكررها كل حول وفي اشتراط بيعها لوجوب الزكاة إلى قولين:

 

القول الأول: أن زكاة التجارة واجبة في كل حول ولا يشترط لوجوب الزكاة بيعها.

 

وهذا مذهب الجمهور من الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة  وبه قال بعض المالكية.

 

واستدلوا على ذلك بالآتي:

 

1- عموم الأدلة  التي أوجبت الزكاة في العروض. يفيد وجوب الزكاة في العروض. مطلقاً سواء كان التاجر مديراً لتجارته أو محتكراً وسواء نض له شيء من العين أو لا.

2- حديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) .

 

وجه الاستدلال:

دل الحديث بمفهومه وجوب الزكاة في المال إذا دار عليه الحول سواء كان مداراً أو محتكراً وسواء نض له منه شيء أو لم ينض.

3- أن عرض التجارة مال وجد فيه سبب وجوب الزكاة وشرطه ولم تتبدل صفته فوجبت فيه الزكاة في كل حول كالحول الأول،وكما لو نض.

 

4- أن عرض التجارة مال يعتبر فيه الحول، فوجب أن يزكى في كل حول كالذهب والفضة .

 

5- ولأن الذهب والفضة لا نماء لها إلا بطلب التجارة، فإذا وضعت العين في العروض للتجارة حكم لها بحكم العين، فتزكى كل عام كما تزكى العين سواء أديرت أو احتكرت .

 

القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن عروض التجارة قسمان إدارة، واحتكار:

والمدير: هو الذي يدير تجارته ويبيع بالسعر الحاضر كيف كان ولا يرصد سوقاً، وربما باع بدون ربح خوف الكساد، كأرباب الحوانيت والدكاكين.

والمحتكر: هو يبقي عنده السلعة ولا يبيعها بل يتربص بها النفاق وغلاء الأسعار، أي أنه يرصد السوق حتى يجد سعراً يرضيه وقد تبقى عنده السلعة سنين.

والمدير يزكي كل عام.

وأما المحتكر فلا زكاة عليه حتى يبيع، فإذا باعها زكاها لعام واحد فقط .

 

واشترط الإمام مالك في الرواية المشهورة عنه لوجوب الزكاة في العروض أن ينض للتاجر -بنوعيه- شيء من العين: الذهب أو الفضة فإن كان يبيع عرضاً بعرض فلا زكاة عليه حتى ينض له شيء .

 

 

أدلتهم:

 

استدل المالكية على إسقاط الزكاة عن التاجر المحتكر بالآتي:

 

1- قالوا إن السلعة أو الأرض البائرة عند صاحبها سلعة غير مضمونة الربح بل ولا رأس المال، فلم تجب فيها الزكاة إلا إذا باعها كالدين الغائب، فإنه إنما يزكي لعام واحد، بعد القبض .

قال ابن عبد البر: “لا يزكي إلا لعام واحد كالدين الذي يقتضيه صاحبه وقد غاب عنه ومكث أعواماً عند الذي كان عليه” .

 

نوقش هذا بأمرين:

أولهما: أن مسألة زكاة الدين الغائب محل خلاف بين أهل العلم والخلاف ليس حجة على الخلاف.

ثانيهما: أن هذا قياس في باب العبادات – والقياس في العبادات غير مسلم، على أنه قياس مع الفارق وذلك، لأن السلعة البائرة مقبوضة لصاحبها منتفع بها، فوجبت عليه زكاتها لشكر النعمة، بخلاف الدين الغائب.

2- أن الزكاة إنما شرعت في الأموال النامية، ولو زكى هذه السلعة كل عام وقد تكون كاسدة نقصت عن شرائها فيتضرر والشرع جاء بدفع الضرر،

 

فإذا زكاها عند البيع فإن كانت ربحت فالربح كان كامناً فيها فيخرج زكاته .

قال ابن رشد:
“مالك رحمه الله يعتبر المصالح وإن لم يستند إلى أصول منصوص عليها” .

3- قالوا: ولأنه ليس على المالك أن يخرج زكاة مال من مال آخر .

 

ويناقش: بأنه يمكنه أن يخرج جزءً منه ويسلمه للفقراء أو يبيعه ويعطيهم القيمة، أو يخرجها من غيره كالشاة في خمس من الإبل.

واستدلوا على إسقاط الزكاة عن لم ينض له شيء من الدراهم والدنانير بالآتي:

1- أن سبب وجوب الزكاة العين، فإذا فقدت سقط حق الفقراء .

بمعنى أن سبب الزكاة في الأصل هو العين من الذهب أو الفضة فإذا فقد الذهب أو الفضة طول الحول لم تجب الزكاة لانتفاء سببها.

 

ونوقش:

بأن القيمة تقوم مقام العين، ولو لم تقم مقامها ما وجبت فيها زكاة أبداً.

 

قال ابن عبد البر: “هذا هو القياس – ولا أعلم أصلاً يعضد قول من قال يشترط النضوض، لأن العروض المشتراة بالورق والذهب للتجارة لو لم تقم مقامها لوضعها فيها التجار، ولما وجبت فيها زكاة أبداً،

 

لأن الزكاة لا تجب فيها لعينها إذا كانت لغير التجارة بإجماع العلماء، وإنما وجب تقويمها عندهم لأنها كالعين الموضوعة فيها للتجارة، وإذا كان كذلك فلا معنى لمراعاة ما نض من العين قليلاً أو كثيراً، ولو كانت جنساً آخر ما وجبت فيها زكاة من أجل غيرها، وإنما صارت كالعين، لأن النماء لا يطلب بالعين إلا هكذا”.

 

2- أن في إيجاب الزكاة في مال التجارة قبل أن ينض ثمنه رفقاً بالمساكين وإجحافاً برب المال، لأنهم تعجلوا من زكاته ما لم يتعجل المالك من ربحها، وأصول الزكوات موضوعة على التسوية بين المساكين وبين رب المال في الارتفاق.

 

ونوقش هذا:

بأن ارتفاق المساكين قبل صاحب المال لو كان معتبراً فيما له حول لمنع المالك من تعجيل الارتفاق قبل المساكين، فلما جاز أن يتعجل الارتفاق بربح ما حصل قبل الحول مع عدم ارتفاق المساكين بمثله، جاز أن يتعجل المساكين زكاة ما لم ينض ثمنه ولم يحصل ربحه وإن لم يرتفق المالك بمثله.

 

الترجيح:

بما تقدم من الأدلة لكل من الجمهور والمالكية يظهر رجحان مذهب الجمهور في موضع الخلاف، وهو وجوب الزكاة في الأراضي والسلع التي يتربص بها أصحابها جودة السوق، ولو بقيت عندهم سنين، لقوة أدلتهم ولمراعاتهم جانب الاحتياط.
قال الشيخ محمد بن عثيمين: “من اشترى أرضاً للربح ثم كسدت ورخصت وأبقاها لحين ارتفاع السعر فانه يزكيها كل سنة لأنها من عروض التجارة”.

ويقول الدكتور القرضاوي: “والحق أن رأي الجمهور أقوى دليلاً فإن الذي قام على أساسه إيجاب الزكاة في عروض التجارة أنها مال مرصد للنماء مثل النقود سواء نمت بالفعل أولم تنم.

 

ومع هذا قد يكون لرأي مالك مجال يؤخذ به فيه، وذلك في أحوال الكساد والبوار الذي يصيب بعض السلع في بضع السنين، فتمر الأعوام ولا يباع منها إلا القليل، فمن التيسير والتخفيف ألا تؤخذ الزكاة ممن هذه حاله حتى يبيع فعلاً، على أن يعفى من أعوام الكساد، لأن ما أصابه ليس باختياره”.
والله تعالى أعلم وأحكم

 

الخاتمة:

في ختام هذا البحث أحمد الله العلي القدير إذ أعانني على إتمامه، وأسأله تعالى أن ينفع به كل مطلع عليه، ثم أضع بين يدي القاري الكريم

أهم ما توصلت إليه من نتائج:

 

1- أن العروض: هي ما عدا الأثمان من جميع الأموال على اختلاف أنواعها وتباين أسمائها كالأراضي والعقارات والبضائع المختلفة.

2-أن الأراضي المملوكة إذا قصد بها التجارة،صارت عروض تجارة، ووجبت فيها الزكاة في قول عامة أهل العلم،وهو القول الذي تؤيده النصوص العامة والخاصة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، وعليه اتفقت المذاهب الأربعة.

 

3-أن القول بعدم وجوب الزكاة في العروض قول شاذ ومخالف لما تقضيه المصلحة العامة التي قصدها الشرع في الزكاة.

 

4-أنه يشترط لوجوب الزكاة في الأراضي شرط واحد فقط وهو نية التجارة بها بأن ينوي بيعها للحصول علي المال،نية لا تردد فيها

وليس من شرط صحة هذه النية عرضها علي مكتب عقاري أو وضع لافتات عليها ونحو ذالك بل يكفي إضمار بيعها في الوقت المناسب.

 

5-أن سائر القصود –عدا نية التجارة-لا نوجب الزكاة في الأرض، ومن ذلك نية بنائها للسكن أو للإيجار أو نية زرعها أو غرسها أو جعلها استراحة أو مستودعا أو مواقف أو نحو ذلك.

6-انه لا يشترط لزكاة الأرض أن يملكها بفعله كالشراء والصلح والخلع وقبول الهبة أو الوصية، بل متى دخلت ملكه بأي سبب كان، ثم نوى بها التجارة وجبت فيها الزكاة.

 

7- يشترط لوجوب الزكاة في الأراضي المعدة للبيع استمرار نية التجارة بها إلى نهاية الحول- ولو نوى القنية انقطع الحول،فان عاد ثم نوى التجارة استأنف حولا أخر.

 

8- أن على تجار الأراضي تقويم أراضيهم المعدة للبيع كل عام، سواء كان رائجة او كاسدة، ويكون التقويم بسعر يومها في نهاية كل حول، ويبدأ حولها منذ ملك ثمنها إذا كان ثمنها مما تجب فيها الزكاة.

 

9-إن مقدار زكاة الأراضي ربع عشر قيمتها (2.5%)كالنقود لأن تقوم مقامها وهي وسيلة إليها.

 

 

جورنال العرب / المصدر:  مسلم

 

زكاة عروض التجارة,زكاة المال,الزكاة في الإسلام,احكام,حاسبة القروض البنك الاهلي

 


مقالات ذات صلة

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد